ثقافة وفنون

بالفخار والطين وإرث المعمار.. هكذا واجه المصريون الاحترار قبل أنظمة التكييف الذكية (صور)

 

يواجه النصف الشمالي من الكرة الأرضية ومنه المنطقة العربية ارتفاعا كبيرا بدرجات الحرارة مع بداية شهر الصيف 21 حزيران/يونيو الجاري، ما أدى لوفاة 1000 فرنسي، و212 إسباني، وغيرهم العشرات بباقي دول القارة.

وشهدت مصر، موجات حارة تأثرا بظاهرة “النينو”؛ أوصلت درجاتها العظمى بالظل لـ40 درجة مئوية بالقاهرة والوجه البحري، لتزيد بالصعيد مع ارتفاع نسب الرطوبة وزيادة الإشعاع الشمسي؛ إلا أن البلد العربي الأفريقي نجت من “القبة الحرارية” المتركزة فوق أوروبا، وفق الأرصاد الجوية.

ومع حضور الكهرباء، والأجهزة الحديثة مثل المراوح والثلاجات والتكييف والتبريد بالمنازل ووسائل المواصلات ومكاتب العمل، وتطويرها مع أحدث وسائل التكنولوجيا وأدوات الذكاء الاصطناعي، يمكن لإنسان العصر الحديث التكيف مع درجات الحرارة وحفظ الأطعمة والحبوب عبر مخازن مجهزة وثلاجات عملاقة.
وتبرز هنا أنظمة التكييف الذكية (IoT)؛ وتقنيات “التبريد المغناطيسي” التي لا تستخدم غاز (الفريون) الضار، بجانب طلاء الواجهات وأسطح المباني بدهانات ومواد عاكسة لـ90 بالمئة من أشعة الشمس.

وفي الشوارع وأماكن العمل تتوفر الآن “الملابس الذكية والمبردة” لامتصاص حرارة الجسم، مع تنفيذ المدن الكبرى “المظلات الذكية” في المواقف والحدائق لامتصاص أشعة الشمس، وإطلاق رذاذ مياه مبرد يخفض حرارة الهواء.
وفي مجال حفظ الأطعمة تستخدم تقنيات الإضاءة الحيوية التي تحاكي دورة الشمس الطبيعية (الأزرق والأخضر والأحمر) بأدراج الثلاجة للحفاظ على الفيتامينات، مع وسائل الحفظ خارج الثلاجة كالأغلفة المستخلصة من مواد طبيعية لحماية الفاكهة والخضروات.
وفي حين لم تصل بعض تلك الاختراعات إلى مصر يثار السؤال حول طرق المصريين القديمة لمواجهة ارتفاعات درجات الحرارة، وحجم استفادتهم من الإرث الحضاري القديم لتوفير وسائل التكييف الطبيعية، ومدى الاستفادة منها في اختراع وسائل التكييف الحديثة.
جرعة ماء باردة
اعتمد المصريون على “الأدوات الفخارية” المصنوعة من طمي نهر النيل والتي يتم تجهيزها داخل أفران “الفواخير” التي كانت منتشرة قبل عقود بكل قرية مصرية كإرث تاريخي يعود لعصور قدماء المصريين.كانت “القلل” و”الأباريق” الفخارية بأشكالها وأحجامها وألوانها بين الأصفر والأحمر وفتحاتها العلوية الصغيرة التي تنساب منها المياه الباردة إحدى أهم أدوات جهاز كل عروس مصرية، وأداة زينة بكل بيت وثلاجته التي لا غنى عنها، ولتبريد المياه كانت يتم تغطيتها بغطاء فخار أو قطعة قماش وتوضع داخل صينية من الألومنيوم قرب شباك بحري (فتحته في اتجاه الشمال) حيث يأتي هواء البحر المتوسط.

https://drive.google.com/file/d/1lqd-DHKohL2SZStaM8MLTeAvSrJLIMTd/view?usp=sharing

من تلك الفصيلة الفخارية كانت “الزلعة” أو “الجرة” و”الزير”، وهي أدوات فخارية كبيرة الحجم لها أشكال وألوان عديدة ولها فتحات علوية وأغطية من الفخار والخشب، تستخدم الأولى والثانية لشرب الفلاحين في الغيطان والحقول، إلى جانب القلل والأباريق التي كان يتفنن الفلاحون بوضع قطعة مبللة من “الخيش” عليها وتعليقها من مقابضها الصغيرة في الأشجار، لكي يشرب المصري مياها باردة في عز الحر.

ومثل “الزير”، مصدر المياه الباردة داخل كل بيت ريفي، حيث كان بلونه الوردي وفتحته الواسعة وقاعدته الإسمنتية يوضع وسط كل بيت بين تيارات الهواء القادمة من فتحات السقف العلوية وبمواجهة شبابيك البيت البحري والقبلي وفي اتجاه تيار هواء أبواب البيت، لتتم عملية التبريد عبر تسريب جزء من المياه من مسام تلك الآنية الفخارية، التي أصبحت تراثا يبحث عنه كثيرون ولا يجدونه.

أين كان يضع المصري طعامه؟

لم يكن يحتفظ المصري بأطعمته المطبوخة لأكثر من ليلة واحدة، حيث كان ظهر “الكانون” المصنوع من عدة قوالب من الطوب الأحمر، والذي كان يطبخ عليه طعامه مستخدما أعواد القطن والذرة هو مكان حفظ أطعمته، حيث يفقد الكانون حرارته ليلا، ويتأثر بسرعة بأي نسمة هواء، وذلك إلى جانب وضع الطعام معلقا في الهواء وسط الدار وفوق الشبابيك البحرية.

في المقابل، دأب المصري على وضع خزين بيته من العسل الأبيض المستخرج من مناحله، والبلح العجوة من نخيله، والسمن البلدي المصنوع من اللبن الجاموسي والبقري، والدهن الحيواني من الجمال والجاموس والأبقار والماعز والخراف، والفول الذي يتم تسويته في الأفران، وحتى صلصة الطماطم المطبوخة على النار، في آنية من الفخار تسمى “محالب”، سوداء اللون لتفرقتها عن أباريق الشرب التي قد تتشابه في أشكالها، ولتمييزها عن كعبة الفخار المستخدمة في حلب ألبان البقر والجاموس.

https://drive.google.com/file/d/1Gs_zjLV1yjgRE8EU-HZFF9IDV0kMPsmh/view?usp=sharing

وعن طريقة حفظ الألبان ومستخرجاتها من الجبن والقشدة والسمن، استخدم المصريون جلود الحيوانات كالماعز والخراف والعجول الصغيرة والمعروفة باسم “القربة”، حيث يقوم بدبغها وربطها بطريقة معينة في حوامل من أفرع الشجر، لتجميع اللبن المحلوب يوميا فيها لمدة أسبوع ثم رجها حتى فصل السمن عن باقي اللبن الذي يجري استخدامه بصناعة الجبن الفلاحي وحفظه برش الملح فوقه، وبيعهما لشراء احتياجات الأسرة من سوق القرية الأسبوعي.

ومع كل موسم زراعي كان يحتفظ المصري بمحصوله الذي يمثل قوته السنوي كالقمح والذرة والفول والعدس والحلبة والسمسم وغيرها، ولهذا برع في صناعة “الصوامع الطينية” الدائرية والاسطوانية والمستطيلة ذات الفتحات الواسعة من أعلى لوضع المحصول، والفتحات الصغيرة جدا من أسفل لسحب حاجته منه، مع غلق كلا الفتحتين جيدا بالطين حتى لا يخترقهما السوس وحشرات الحبوب.

كيف عاش المصري دون المراوح والتكييف؟

ولما للمصري من باع طويل في البناء والتشييد والذي يظل شاهدا على براعته تلك المعابد والأهرامات الباقية منذ آلاف السنين رغم عوامل التعرية والحرارة والبرودة والأمطار والسيول، برع في بناء مسكنه ليصبح دافئا شتاء وطاردا للحرارة صيفا.

بداية يقول الحاج أسامة، (عامل بناء): “كنا نستخدم الطوب اللبن المصنوع من طمي أراضي الدلتا والمخلوط بالقش وتبن القمح، في بناء المنازل بمواصفات خاصة منها: ارتفاع المباني لنحو 5 أمتار وبناء الحوائط بعرض 80 إلى 100 سم، وعرش البيت بخشب الأشجار والنخيل وفوقه أعواد الغاب والخوص تغطيها طبقة من الطين، وفوقها يوضع حطب الذرة والقطن لامتصاص درجة الحرارة “.

وأوضح لـ”عربي21 لايت”، أن “ذلك الطوب وتلك الطريقة في البناء كانت تمنح البيت تكييفا ربانيا تدفئة في الشتاء وبرودة في الصيف، مع عمل فتحات تهوية علوية وسط سقف البيت وبكل غرفة تجلب الهواء البارد ليلا وتطرد الهواء الدافئ، بناء واجهة البيوت وفتح الأبواب والشبابيك في الاتجاه البحري، على أن تكون الأبواب واسعة الفتحات والشبابيك طولية لنحو مترين وبعرض متر ونصف، مع ترك مسافات للتهوية مع الجيران”.

وأشار إلى أنه في السابق لم يكن يخلو بيت من زراعة النخيل والأشجار أمامه وحتى داخله، مع قضاء وقت طويل في الحقول تحت الشجر والنخيل مع صناعة العشش والعرائش المصنوعة من الحطب والغاب وجريد النخيل على رأس الحقول”.

وألمح إلى بعض عادات سابقة للتغلب على الحر ومنها “عمل الفلاحين بعد صلاة الفجر وحتى الضحى أو الهاجرة، ثم العودة للبيوت أو أخذ القليولة في الحقول تحت العرائش والأشجار وفي المصليات المنتشرة على الترع، ثم العمل مرة ثانية بعد صلاة العصر حتى المغرب، مع لبس الطواقي والشيلان والقمصان البيضاء”.

واعتاد المصريون في القرى والأحياء الشعبية على قضاء فترات العصر والمساء أمام البيوت على المساطب الطينية والإسمنتية والمقاعد الخشبية، مع رش الشوارع والطرق التي كان يخصص لها عامل لرشها من مياه الترع والمصارف المارة بالقرى.
دور الإرث الحضاري

وإلى جانب دور “الطوب اللبن” ونظرا لطبيعته الطينية في عملية العزل الحراري للبيوت ومنع نفاذ حرارة الشمس لها، نهارا؛ منح الإرث الحضاري للمصريين القدماء، عمال البناء والمهندسين المصريين طرق تنفيذ أقدم تكييف طبيعي عرفه التاريخ، وهو “الملقف” تلك الفتحة أعلى أسطح المنازل لاستقبال الرياح وجذبها نحو الغرف لطرد الهواء الساخن.وهي الفكرة التي يقوم عليها التكييف المعاصر بسحب الهواء الساخن وتمريره على أسطح باردة (فريون) وتوزيع الهواء المبرد، وتلك التي طبقها المصري القديم عندما كان يضع أواني فخارية مملوءة بالماء أسفل “الملقف”، لتبريد المياه، وهي الأفكار التي  نفذها المعماري المصري حسن فتحي في الصعيد.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى