“رايتس ووتش” تتهم مصر باعتقال وترحيل لاجئين رغم حملهم وثائق أممية

وقالت المنظمة، في تقرير مطول نشرته الثلاثاء، إن السلطات المصرية تعتقل لاجئين وطالبي لجوء انتهت صلاحية تصاريح إقامتهم بسبب تأخر الحكومة في منحهم مواعيد التجديد، مشيرة إلى أن بعض اللاجئين حصلوا على مواعيد رسمية تمتد حتى عام 2028، بينما يواجهون خلال فترة الانتظار خطر التوقيف والترحيل بسبب عدم امتلاكهم إقامة سارية.
حملة اعتقالات وترحيل
وأكدت المنظمة أن السلطات المصرية كثفت منذ أواخر عام 2025، واستمرت خلال عام 2026، عمليات توقيف اللاجئين وطالبي اللجوء، مستندة في كثير من الحالات إلى انتهاء صلاحية تصاريح الإقامة فقط، حتى عندما يكون الأشخاص مسجلين رسميا لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ويحملون بطاقات سارية تثبت وضعهم القانوني.
وأضاف التقرير أن هذه الإجراءات طالت بصورة خاصة اللاجئين القادمين من السودان وجنوب السودان، في وقت تشهد فيه مصر أكبر موجة لجوء منذ اندلاع الحرب السودانية في نيسان/ أبريل 2023.
ونقلت المنظمة عن عدد من اللاجئين روايات قالوا فيها إن قوات الأمن المصرية تجاهلت بطاقات المفوضية، واعتبرت عدم وجود إقامة سارية سببا كافيا للاعتقال.
وروى لاجئ من جنوب السودان، يبلغ من العمر 27 عاما، أنه رُحّل إلى جوبا رغم حمله بطاقة من المفوضية وامتلاكه موعدا رسميا للحصول على الإقامة في أيلول/ سبتمبر 2028، قائلا إن الشرطة أبلغته بأن “السودانيين أصبحوا كثيرين في هذا البلد ولم نعد نريدكم”، بحسب ما أورده التقرير.
أزمة بيروقراطية تتحول إلى أزمة قانونية
وأرجعت “هيومن رايتس ووتش” الأزمة إلى التراكم الكبير في طلبات الإقامة واللجوء، موضحة أن القانون المصري يفرض على اللاجئين تجديد تصاريح إقامتهم سنويا، في حين أصبحت مواعيد التجديد تمتد لسنوات بسبب الضغط الكبير على أجهزة الهجرة.
وبحسب التقرير، فإن مكتب الإدارة العامة للجوازات والهجرة في القاهرة، وهو الجهة الوحيدة المخولة بإصدار تصاريح الإقامة، زاد عدد المواعيد اليومية ومدد صلاحية بعض التصاريح إلى سنة كاملة، إلا أن ذلك لم ينجح في معالجة التراكم المتزايد، إذ لا يزال كثير من اللاجئين يحصلون على مواعيد مؤجلة حتى عام 2028.
وترى المنظمة أن السلطات المصرية تعاقب اللاجئين على تأخيرات إدارية تقع ضمن مسؤولية الدولة نفسها، معتبرة أن احتجازهم بسبب وثائق لم تتمكن الحكومة من إصدارها يمثل “احتجازا تعسفيا وغير مبرر”.
قانون اللجوء الجديد تحت الانتقاد
وسلط التقرير الضوء على قانون اللجوء المصري الجديد، الصادر أواخر عام 2024، والذي ينقل مسؤولية تحديد صفة اللاجئ من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى لجنة حكومية دائمة.
ورأت المنظمة أن القانون يثير مخاوف واسعة، لأنه لا يتضمن نصا صريحا يحظر الإعادة القسرية، كما يمنح السلطات صلاحيات واسعة في التعامل مع ملفات اللاجئين، دون توفير ضمانات كافية لحمايتهم.
وأضافت أن اللائحة التنفيذية للقانون، التي صدرت في أيار/ مايو الماضي، لم تعالج مصير مئات آلاف الطلبات المتراكمة لدى المفوضية، كما لم تضع آلية واضحة لإدارة المرحلة الانتقالية بين النظام القديم والجديد.
وحذرت المنظمة من أن الانتقال السريع إلى النظام الجديد قد يؤدي إلى تعميق حالة الغموض القانوني التي يعيشها اللاجئون بدلا من معالجتها.
أكثر من مليون لاجئ
وأشار التقرير إلى أن مصر تستضيف حاليا أكثر من 1.1 مليون لاجئ وطالب لجوء مسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بعدما ارتفع عددهم بأكثر من ثلاثة أضعاف منذ اندلاع الحرب في السودان.
وأوضح أن مصر أصبحت خلال عام 2025 الدولة التي استقبلت أكبر عدد من طلبات اللجوء الجديدة في العالم، فيما تحول مكتب المفوضية في القاهرة إلى أكبر مركز عالمي لمعالجة طلبات تحديد صفة اللاجئ.
ورغم ذلك، ما تزال عشرات آلاف الطلبات قيد الانتظار، بينما ينتظر كثير من اللاجئين استكمال إجراءات التسجيل أو الحصول على مواعيد الإقامة.
تداعيات تتجاوز الإقامة
وأكد التقرير أن انتهاء صلاحية الإقامة لا ينعكس فقط على الوضع القانوني للاجئين، بل يؤثر أيضا في قدرتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية.
وأورد شهادات لأشخاص قالوا إنهم لم يتمكنوا من تقديم بلاغات لدى الشرطة بعد تعرضهم لاعتداءات أو سرقات بسبب عدم امتلاكهم إقامة سارية، فيما أشار آخرون إلى أن أبناءهم حرموا من الالتحاق بالمدارس نتيجة العراقيل البيروقراطية المرتبطة بالإقامة.
كما تحدث عدد من اللاجئين عن حالة خوف يومية من التنقل داخل المدن المصرية خشية التوقيف، حتى وإن كانوا يحملون بطاقات رسمية صادرة عن المفوضية.
اتهامات بسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز
وتضمن التقرير شهادات لمهاجرين ولاجئين قالوا إنهم احتجزوا في أقسام شرطة ومراكز احتجاز مكتظة، ووصفوا ظروفا قالوا إنها شملت نقصا في المياه والغذاء والرعاية الصحية، إضافة إلى احتجازهم مع متهمين بقضايا جنائية.
ونقلت المنظمة عن بعض المحتجزين السابقين قولهم إنهم تعرضوا للضرب وسوء المعاملة، فيما أشار آخرون إلى انتشار الأمراض الجلدية بسبب الاكتظاظ وسوء ظروف النظافة.
كما استشهد التقرير بتقارير لمنظمات حقوقية أفادت بوفاة عدد من طالبي اللجوء السودانيين داخل أماكن الاحتجاز منذ مطلع العام الجاري، فضلا عن تقارير إعلامية تحدثت عن تعرض المحتجزين للابتزاز وسوء المعاملة.
مخاوف من الإعادة القسرية
وأعرب خبراء تابعون للأمم المتحدة، في آذار/ مارس الماضي، عن قلقهم من تقارير تحدثت عن عمليات ترحيل نُفذت دون إجراء تقييمات فردية لمدى تعرض المرحلين لخطر الاضطهاد في بلدانهم الأصلية.
وأكدت “هيومن رايتس ووتش” أن مصر، بصفتها طرفا في اتفاقية اللاجئين لعام 1951 واتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية الخاصة باللاجئين، ملزمة باحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يمنع إعادة أي شخص إلى مكان قد يتعرض فيه للخطر.
وطالبت المنظمة السلطات المصرية بوقف اعتقال اللاجئين وطالبي اللجوء بسبب انتهاء تصاريح الإقامة الناتج عن التأخير الإداري، وإدراج ضمانات واضحة في قانون اللجوء الجديد تحظر الإعادة القسرية، وتمنح طالبي اللجوء وضعا قانونيا مؤقتا طوال فترة انتظار استكمال إجراءات الإقامة والبت في طلباتهم.
كما دعت إلى وضع خطة انتقالية تمتد لعدة سنوات بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، بما يضمن عدم فقدان اللاجئين الحماية القانونية خلال عملية نقل اختصاصات اللجوء إلى السلطات المصرية.



