أخبار

أطفال السودان… جيل محروم من التعليم في مخيمات النزوح واللجوء

لم تقتصر الانتهاكات التي طاولت أطفال السودان منذ اندلاع الحرب المستمرة على الجوع والعطش، وتفشي الأمراض، ومعاناة التشرّد والنزوح واللجوء، بل امتدت إلى حرمان عشرات الآلاف منهم من التعليم على مدار أكثر من ثلاث سنوات متواصلة، سواء لإغلاق أو تدمير المدارس، أو لكونهم نازحين ولاجئين.

على الرغم من أن التعليم أحد الحقوق الأساسية التي يفترض توفّرها في أوقات الحروب، لكن ملايين السودانيين وجدوا أنفسهم محرومين من هذا الحق نتيجة نقص التمويل الدولي للاجئين، أو لتقاعس السلطات المحلية عن توفيره للأطفال النازحين، وتفاقم تعقيد المشكلة مع تعطّل التعليم في مدارس المناطق القريبة من مخيمات النزوح، وفي المدارس التي كانت تدعمها المنظمات الدولية، وبروز دور المدارس الخاصة التي تفرض رسوماً مالية تفوق قدرة الأسر التي فقدت مصادر دخلها وممتلكاتها خلال الحرب.

أزمة غذاء في شمال كردفان… آلاف الأسر السودانية محاصرة وجائعة

وأشارت مفوضية اللاجئين، في مارس/أذار الماضي، إلى أن أكثر من 90% من أطفال السودان في سن الدراسة باتوا خارج المدارس، وكشفت منظمة “يونيسف” في تقريرها الأحدث حول السودان في يونيو/حزيران الماضي، أن نحو 8 ملايين طفل في سن الدراسة لا يتعلمون، في واحدة من أكبر الأزمات التي خلفتها الحرب المستمرة في البلاد. ولا تتوقف الأزمة عند حدود المناطق التي تحولت إلى مسرح معارك واشتباكات، بل انتقلت إلى مخيمات اللجوء والنزوح، حيث يواجه الأطفال انعدام المدارس، واكتظاظ المتوفر منها في بعض المخيمات.

في مخيمات النزوح، تبدو المعضلة أكثر تعقيداً، خصوصاً في الولايات التي تدور داخلها معارك، مثل ولايات دارفور والنيل الأبيض وكردفان، حيث يعيش ملايين الأشخاص في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة. في ولايات إقليم دارفور، أُغلقت المدارس بالكامل، وتراجعت وزارة التربية والتعليم، التابعة للحكومة التي يديرها الجيش من بورتسودان، عن إرسال الأجور الشهرية إلى المعلمين، بحجة وجودهم في مناطق خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع. وأدى قرار وقف صرف الأجور إلى دفع آلاف المعلمين إلى البحث عن مهن بديلة، بعد أن أصبح الاستمرار في مهنة التعليم أمراً بالغ الصعوبة في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وفي 17 مخيماً موزعة بين إقليمي دارفور وكردفان، لا توجد مدرسة واحدة تعمل بصورة رسمية، ما دفع آلاف الأطفال إلى التخلي عن التعليم، ليس داخل المخيمات فقط، وإنما في الكثير من المناطق المحيطة بها. يقول عيسى مبارك، وهو معلم ابتدائي بولاية شرق دارفور لـ”العربي الجديد”: “تخلت الدولة عن التعليم في المُدن والقرى التي ما زالت مأهولة بالسكان، بحجة وقوعها تحت سيطرة قوات الدعم السريع، أما المخيمات، وعددها بالعشرات، فلا أحد يتوقع أن تقام فيها مدارس، وآلاف الأطفال النازحين لم يجدوا فرصة تعليم داخل المخيمات أو خارجها منذ ثلاثة أعوام، والمعلمون الذين توقف صرف أجورهم يشتغلون في مهن بديلة لتوفير قوت أسرهم”.

لا تختلف الصورة كثيراً في مخيمات النازحين بمنطقة طويلة في ولاية شمال دارفور، التي تضم نحو عشرين مخيماً للنازحين، ويعيش فيها أكثر من 1.3 مليون نازح، فرغم وجود آلاف الأطفال في سن الدراسة بين هذا العدد الكبير من النازحين، لا توجد مدارس قادرة على استيعاب الأطفال، بينما توجد مدارس صغيرة تديرها حركة عبد الواحد محمد النور التي تسيطر على المنطقة منذ أكثر من عشرين عاماً.

يقول النازح إلى طويلة، شيخ الدين أحمد لـ”العربي الجديد”: “العدد القليل من المدارس الذي تشرف عليه حركة عبد الواحد محمد النور لا يستوعب ربع الأطفال الذين نزحوا مع أسرهم من الفاشر ونيالا ومناطق أخرى هرباً من الحرب.

الكثير من الأطفال تجاوزوا العمر الذي يمكنهم من الالتحاق بالتعليم النظامي، ويحتاجون في الوقت الحالي إلى مدارس محو أمية، أو تعليم الكبار، والكثير منهم كانوا قبل الحرب يدرسون في المرحلة الأساسية، وحالياً أصبحوا فوق الخامسة عشرة، لذا لا يمكن إلحاقهم بالمدارس العادية”. ويضيف أحمد: “أنا أب لثلاثة أطفال أصغرهم عمره سبع سنوات، والحرب لم تفقدنا منزلنا ومصدر دخلنا فقط، بل تسببت أيضاً في ضياع مستقبل أطفالي وملايين الأطفال الآخرين الذين فقدوا فرصتهم في التعليم، وتخشى كثير من العائلات أن يتحول أطفالها إلى وقود في القتال المستمر، عبر استغلالهم من جانب طرفي الحرب”.

في ولاية النيل الأبيض التي تخضع لسيطرة الجيش السوداني، تفتقر مخيمات النزوح إلى وجود مدارس حكومية، ويعتمد الأطفال بصورة أساسية على المدارس التي تدعمها المنظمات الأممية، لكن الدعم الأممي يتراجع في ظل شح التمويل، وتراجع قدرة المنظمات على العمل على الأرض، الأمر الذي جعل آلاف الأطفال يخسرون فرصهم في التعليم.

ووصف مسؤول بوزارة التربية والتعليم في الولاية أوضاع التعليم في المخيمات بأنها “كارثية”، وقال المسؤول الذي طلب عدم ذكر اسمه، لـ”العربي الجديد”: “ليس لدى الحكومة المحلية إمكانات مالية لدعم مدارس المخيمات، خاصة أن عدد النازحين في الولاية يتجاوز المليون نازح، وأغلبهم من كردفان والنيل الأزرق، إلى جانب عدد كبير من اللاجئين من دولة جنوب السودان”.

وليست أوضاع اللاجئين أفضل كثيراً من أوضاع النازحين. في مخيم أدري للاجئين السودانيين بشرق تشاد، حُرم آلاف الأطفال من التعليم بسبب عدم وجود مدارس داخل المخيم الذي أنشئ في الأساس مركز استقبال، قبل أن يتحول إلى مكان إقامة دائم لآلاف السودانيين الذين فضلوا البقاء فيه على التشرّد. وتوجد في مدينة أدري حالياً مدرستان خاصتان، لكن الالتحاق بهما يتطلب دفع رسوم مالية لا تستطيع الأسر اللاجئة الفقيرة توفيرها، ما يجعل التعليم فيهما بالنسبة إلى كثير من الأطفال رفاهية يصعب الوصول إليها.

ويعتقد اللاجئون أن نقلهم إلى مخيمات أخرى نائية سيحرمهم من فرص العمل المحدودة المتاحة في مدينة أدري، ما يجعلهم يصرون على البقاء في المخيم مضحين بمستقبل أطفالهم التعليمي، خصوصاً مع انخراط الكثير من الأطفال المحرومين من التعليم في ممارسة الأعمال الهامشية.

يقول اللاجئ السوداني، آدم إسماعيل، لـ”العربي الجديد”: “أصبحنا مضطرين للبقاء في مخيم أدري رغم عدم وجود مدارس، لأننا لو رحلنا عنه إلى المخيمات المقترحة سنفقد مصادر دخلنا البسيطة التي نحصل عليها من العمل في أنشطة هامشية داخل مدينة أدري. أنا أب لستة أطفال، ولا توجد في أدري مدارس بحجة أنه مركز استقبال مؤقت للاجئين، لكن حتى المخيمات الأخرى المقترحة لا تضم مدارس، وأطفال اللاجئين الذين نقلوا إليها لا يدرسون، ما يجعل مسألة الانتقال من مخيم أدري إلى مخيمات أخرى لا تحل مشكلة التعليم، التي تعود بالأساس إلى انعدام التمويل”. تتكرر الأزمة نفسها في مخيمات أخرى للاجئين السودانيين بشرق تشاد، من بينها مخيمات بلايا ومُرة وأركوم جديد، حيث أدى انعدام المدارس إلى حرمان آلاف الأطفال من التعليم.

من مخيم أركوم جديد، تقول اللاجئة السودانية سلمى كوكو لـ”العربي الجديد”: “قضية التعليم غير مطروحة في المخيمات، ويوجد آلاف الأطفال الذين تجاوزت أعمارهم العاشرة، لكنهم لم يذهبوا يوماً إلى مدرسة طوال حياتهم، وهؤلاء تحولوا إلى فاقد تربوي، وربما يخسرون مستقبلهم في ظل عدم تطرق أي جهة لمسألة تعليمهم”.

تتابع: “يعاني اللاجئون من ظروف قاسية تتمثل في نقص الغذاء والرعاية الصحية، ويعيشون في أكواخ مهترئة داخل مخيمات بعضها أنشئ في عمق الصحراء، ولا يمكن أن تتوفر فيها مدارس، ونحن للأسف غير قادرين على تشييد مدارس في المخيمات من أجل إنهاء معضلة انعدام التعليم. المنطقة التي نعيش فيها تضم ثلاثة مخيمات عدد سكانها أكثر من 150 ألف لاجئ، ولا توجد فيها مدارس”.

بدورها، تقول اللاجئة السودانية أم كلثوم أحمد، التي تقيم في مخيم أب جينقي في شرق تشاد لـ”العربي الجديد”: “نعاني من انعدام أبسط الأساسيات، مثل الطعام ومياه الشرب، ما يجعلنا لا نفكر في موضوع التعليم. تفكير غالبية اللاجئين في الوقت الحالي يقتصر على الحصول على الغذاء، والجميع يأملون أن تتوقف الحرب، وأن نعود إلى بلادنا لنبحث لأطفالنا عن مدارس يتعلمون فيها”.

في أوغندا، يواجه الأطفال السودانيون في مخيم كرياندنقو للاجئين المشكلة ذاتها، إذ يفتقر المخيم الذي يضم نحو 83 ألف لاجئ إلى مدارس تستوعب الأطفال، ولا تتمكن الأسر اللاجئة من إرسال أطفالها إلى المدارس الخاصة في المنطقة المجاورة، بسبب الرسوم المرتفعة التي تطلبها، ما دفع بعضهم إلى محاولة سد الفراغ الذي تركه غياب المؤسسات التعليمية، عبر ابتكار حلول مؤقتة، من بينها إنشاء مدارس غير نظامية يقوم بعض اللاجئين بتدريس الأطفال فيها بصفة تطوعية، وفي أوقات متفرقة بحسب ظروفهم وأوقات فراغهم.

جامعات السودان… مرافق مدمّرة وأساتذة بلا رواتب وطلاب لاجئون

ووفقاً لإفادات اللاجئين، فإن هذه المبادرات تظل محدودة، ولا تستطيع أن تحل محل التعليم النظامي، خصوصاً مع الأعداد الكبيرة للأطفال الذين يحتاجون إلى مدارس. يقول اللاجئ سليمان عبد الله، وهو أحد المتطوعين لتعليم أطفال اللاجئين في أوغندا لـ”العربي الجديد”: “تراجع الدعم الدولي لقضايا اللاجئين، ما انعكس سلباً على العملية التعليمية بالمخيمات، مما قاد إلى توقف كثير من المدارس التي كانت تستقبل أطفال اللاجئين.

معظم الأسر اللاجئة ليس لديها إمكانات مالية تمكنها من إرسال أطفالها إلى المدارس على نفقتها الخاصة، وتوقف كثير من الأطفال عن الدراسة. آلاف الأطفال سيفقدون مستقبلهم التعليمي إذا استمر هذا الوضع، وهذا سيكون كارثياً على جيل كامل من الأطفال اللاجئين”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى