“قنابل الكلور”.. سلاح كيميائي استخدمه الجيش السوداني وحاول طمس آثاره

عاد ملف الأسلحة الكيميائية في السودان إلى الواجهة مجدداً، بعد عام من فرض واشنطن عقوبات على الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد “القوات المسلحة السودانية” بتهمة استخدام الجيش السوداني الكلور خلال الحرب الدائرة في البلاد ضد ميليشيا الدعم السريع.
إذ كشفت معلومات استخباراتية ضمن تحقيق نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” السبت، عن ملف يضم نحو 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو ورسالة صوتية، تخص ما يوصف بـ”البرنامج السري” للجيش السوداني الذي طور خلاله ذخائر تعتمد على غاز الكلور واختبرها وخزن كميات منها خلال عام 2024.
وبحسب التحقيق، تظهر هذه المواد مسار مشروع متكامل بدأ من تصميم الذخائر وتأمين غاز الكلور، مروراً بتصنيع نماذج أولية واختبارها، وصولاً إلى إنتاج مئات القنابل، قبل أن تتكشف مؤشرات على محاولة لطمس آثار البرنامج عقب اكتشافه من جانب الولايات المتحدة.
وفي تحقيق منفصل نشرته “واشنطن بوست” السبت أيضاً، واستند بدوره إلى ملف من الوثائق والرسائل والصور ومقاطع الفيديو، قالت الصحيفة إنه يقدم أدلة على وجود برنامج ومخزون مزعوم من الأسلحة الكيميائية في السودان.
ووفقاً لتحقيق “نيويورك تايمز”، امتدت المرحلة الأولى من المشروع نحو ستة أشهر في عام 2024، في وقت كان فيه الجيش السوداني يواجه ضغطاً عسكرياً صعباً داخل الخرطوم، عقب تمكن الدعم السريع من السيطرة على أجزاء واسعة من العاصمة والتمركز فيها.
وفي تموز/يوليو 2024، يظهر في الوثائق التي نشرتها الصحيفتان الأمريكيتان، اسم العميد طارق حسين، الذي يصفه التقريران بأنه رئيس مشروع قنابل الكلور، حيث اقترح استخدامه كسلاح يمكن أن يمنح الجيش أفضلية في معركة الخرطوم.
وتظهر الرسومات نماذج أولية لذخيرة تجمع بين رأس حربي متفجر ونحو 15 كيلوغراماً من غاز الكلور، فيما تشير رسائل تم تعقبها استخباراتياً، إلى أن الفكرة لم تكن مجرد تصميم نظري، إذ بدأ المصنع، اعتباراً من تموز/يوليو، في تجميع فعلي لنماذج أولية للذخيرة.
وفي 22 تموز/يوليو، أقلعت طائرة شحن من طراز “أنتونوف” من مطار مروي لاختبار ذخيرة قائمة على الكلور، وفق ما ورد في ملف التحقيق، ليكتب حسين بعدها أن التجربة “نجحت بنسبة مئة في المئة”، وأرفق رسالته بمقطع فيديو لانفجار في الصحراء.
ورد العميد أمير إدريس، الذي تصفه السجلات بأنه مشرف على عمليات الطائرات المسيّرة العسكرية، على رسالة حسين بكلمة واحدة: “سرية تامة”.
ورغم ذلك، تكشف البيانات مواجهة المشروع مشكلات تقنية خطيرة، حيث تكشف الرسائل أن غاز الكلور كان يتسرب بصورة متكررة من الذخائر، إلى درجة أن العمال عثروا في أحد الصباحات على حشرات وعقارب نافقة على أرضية إحدى الحظائر، بعدما تعرضت للغاز خلال الليل.
وبحسب التحقيق، فإن هذه الواقعة تكشف عن حجم الفوضى التي رافقت المشروع وطبيعة المادة التي كان البرنامج يتعامل معها، حتى قبل استخدامها في ساحة المعركة، وفي الوقت نفسه، كان البرنامج يحتاج إلى مصدر مستمر للكلور.
ووفقاً لوثائق قالت “نيويورك تايمز” إنها اطلعت عليها، أُدخلت 20 أسطوانة من غاز الكلور من دولة حدودية مجاورة في أواخر آب/أغسطس 2024، وقال حسين حينها إن الكمية تكفي لصناعة نحو 1100 قنبلة.
وهو ما قاد أيضاً إلى منشأة مدنية لمعالجة المياه، فقد قال حسين إنه حصل أيضاً على الكلور من محطة المنارة لمعالجة المياه في شمال مدينة أم درمان، وهي إحدى المحطات القليلة التي ظلت تعمل خلال الحرب.
وفي رسالة صوتية تم رصدها موجهة إلى العميد أمير إدريس في 26 آب/أغسطس، قال حسين إن لدى محطة المنارة بعض الأسطوانات وإنه “أخذها من هناك”.
وتعد هذه الواقعة توثيقاً لانتهاكات وصفت بالخطيرة، نظراً لكون الكلور الموجود في محطات المياه لم يكن مخصصاً للاستخدام العسكري، بل كان جزءاً من إمدادات إنسانية لمواجهة تفشي الكوليرا وتأمين المياه للسكان.
ونقلت “نيويورك تايمز” عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر قولها إنها تبرعت للمحطة بـ 30 أسطوانة كلور في عام 2023، فيما قالت منظمة “كير” إنها قدمت 35 أسطوانة خلال عامي 2024 و2025، كما أفاد متحدث باسم اليونيسف بأن المنظمة زودت ست محطات لمعالجة المياه في الخرطوم، بينها محطة المنارة، بالكلور بين عامي 2023 و2025.
وللقصة بقية، فبحلول تشرين الأول/أكتوبر 2024، أفاد حسين بأنه صنع نحو 300 ذخيرة كيميائية، خُزن معظمها في مطار مروي، وفقاً للوثائق التي أكدت صحيفة “نيويورك تايمز” أنها اطلعت عليها.
وفي أيلول/سبتمبر، كتب حسين لأحد زملائه عبارة وصفت باللافتة، جاء فيها “لقد شربوا الغاز”، في إشارة إلى تعرض مقاتلين من قوات الدعم السريع للكلور عقب هجوم قال إن موقعه كان مصفاة الجيلي للنفط شمال الخرطوم.
وتقول الصحيفة إن رواية الهجوم تجد بعض ما يعززها في روايات خصوم الجيش، إذ أصدرت قوات الدعم السريع في 13 أيلول/سبتمبر بياناً اتهمت فيه الجيش بإطلاق صواريخ “سامة” على المصفاة، كما أظهرت صور متداولة آنذاك رجالاً داخل المنشأة يرتدون ملابس مدنية ويضعون أقنعة أكسجين.
أما صحيفة “واشنطن بوست” فإنها تضيف تفاصيل مستقلة إلى القصة، إذ قالت إنها راجعت ملفاً من الوثائق والرسائل والصور ومقاطع الفيديو يتضمن مؤشرات على برنامج للأسلحة الكيميائية ومخزوناً من الذخائر.
ووفقاً لإحدى المواد، فقد كان هناك مخزون يصل إلى نحو 290 ذخيرة كيميائية، كما تتضمن الوثائق تصميمات لذخائر تحتوي على غاز ومتفجرات، وهو ما أكده خبراء في الأسلحة الكيميائية والأدلة الرقمية راجعوا المواد، واعتبروا بعضها ذا مصداقية.
وفيما يتعلق بقائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، تكشف الرسائل الصوتية والنصية أنه كان طرفاً فيها، وإن لم يكن على علم مباشر بمساعي تطوير الأسلحة الكيميائية، وفقاً لـ “نيويورك تايمز”، وهو ما استدعى الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات عليه في حزيران/ يونيو 2025.
في أيار/ مايو 2025، تظهر اتصالات في ملف “نيويورك تايمز” تشير إلى أن البرهان أصدر تعليماته إلى العميد حسين بـ “إزالة جميع آثار” أنشطة البرنامج بعد فرض العقوبات الأمريكية عليها، وجاء الرد، بحسب الوثيقة: “تمت العملية قبل شهر”.
والمفارقة التي تكشفها الوثائق هي تشكيل البرهان لجنة للتحقيق في الاتهامات الأمريكية، ليظهر العميد حسين، الذي يصفه التحقيق بأنه مهندس البرنامج، كان من بين مستشاري اللجنة نفسها.
وعندما قدمت اللجنة تقريرها المرحلي في تموز/ يوليو، قالت إنها لم تعثر على أي أثر لأسلحة كيميائية، فيما ظل التقرير النهائي قيد الانتظار.
وحذرت “نيويورك تايمز” من أن إثبات استخدام الأسلحة الكيميائية يظل مسألة بالغة التعقيد، وقال خبراء راجعوا صور الملف إن المواد تقدم مؤشرات ذات صدقية على وجود مسعى لتطوير أسلحة كيميائية، لكنهم أكدوا أن الحسم يتطلب تحقيقاً مستقلاً يجريه خبراء محايدون داخل السودان.
بدورها، قالت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إن عدة دول طلبت منها الحصول على إيضاحات من السودان بشأن مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية، وإن العملية لا تزال جارية.
يذكر أن منظمة “هيومن رايتس ووتش” أصدرت تقريراً استناداً لتحقيق أجرته قناة “فرانس 24” الإخبارية الفرنسية، يظهر أدلة علنية بشأن احتمال استخدام الجيش السوداني الكلور في حادثتَيْن في سبتمبر/أيلول 2024.



