مال وأعمال

حظر أوروبي على الذهب السوداني.. تداعيات محدودة وبدائل جاهزة

 

الخرطوم 14 يوليو 2026- أثار قرار مجلس الاتحاد الأوروبي بحظر استيراد الذهب السوداني ومدخلات الإنتاج الكيميائية المستخدمة في التعدين جدلاً واسعاً بين المختصين في قطاع التعدين وخبراء الاقتصاد، وتباينت الرؤى حول جدواه وفاعليته.

ويُعد الذهب المصدر الرئيسي للنقد الأجنبي في السودان، إذ يمثل العمود الفقري للاقتصاد منذ انفصال جنوب السودان عام 2011 وما ترتب عليه من فقدان عائدات النفط، كما يسهم بصورة كبيرة في تمويل استيراد السلع الأساسية، وعلى رأسها الوقود والقمح والأدوية، إلى جانب المدخلات الزراعية والصناعية.

وكان مجلس الاتحاد الأوروبي قد قرر، الاثنين، تشديد العقوبات على السودان عبر حظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب ذي المنشأ السوداني، إلى جانب حظر بيع أو توريد أو تصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، بهدف الحد من مصادر تمويل النزاع.

وقال المجلس، في بيان، إن الزئبق والسيانيد يُستخدمان على نطاق واسع في عمليات تعدين الذهب واستخلاصه، موضحاً أن القرار يشمل كذلك حظر تقديم الخدمات المرتبطة بهذه الأنشطة، بما في ذلك المساعدة الفنية والمالية وخدمات الوساطة. وأضاف أن الذهب أصبح مصدراً رئيسياً للإيرادات التي تسهم في استمرار النزاع في السودان.

وتباينت آراء المختصين الذين استطلعتهم “سودان تربيون” بين من يرى أن القرار سيكون محدود الأثر على صادرات الذهب وواردات مدخلات الإنتاج، وبين من حذر من انعكاساته غير المباشرة على حركة التجارة والتمويل.

وقال المدير السابق للشركة السودانية للموارد المعدنية، مجاهد بلال، لـ”سودان تربيون”، إن الأثر الاقتصادي المباشر للقرار يبدو محدوداً، بالنظر إلى أن معظم واردات مدخلات الإنتاج تأتي من دول الشرق، بينما تتجه غالبية صادرات الذهب السوداني إلى الأسواق نفسها، وليس إلى أوروبا.

وأضاف أن ذلك لا يعني غياب التأثير، إذ قد يؤدي القرار إلى تعقيد إجراءات التجارة، خاصة فيما يتعلق بشهادات المنشأ ومتطلبات الامتثال والتأمين والشحن، كما قد يدفع بعض الشركات إلى تجنب التعامل مع الذهب السوداني بدافع التحوط والامتثال المفرط، حتى خارج الاتحاد الأوروبي.

وأشار إلى أن الذهب الخارج من مناطق سيطرة التمرد يمر عبر مسارات غير رسمية ويُعاد تصديره بشهادات منشأ لدول أخرى، ما قد يجعله أقل تأثراً بالقرار، في حين قد تتحمل الصادرات الرسمية للدولة العبء الأكبر.

ورأى بلال أن القرار، رغم محدودية أثره التجاري المباشر، ينطوي على أبعاد سياسية ومالية تستوجب تحركاً رسمياً سريعاً وهادئاً لاحتواء أي تداعيات مستقبلية.

من جانبه، قلل الأمين العام لشعبة مصدري الذهب، معتصم محمد صالح، في حديث لـ”سودان تربيون”، من تأثير القرار على قطاع الصادرات، مؤكداً أن السودان لا يصدر الذهب بصورة مباشرة إلى دول الاتحاد الأوروبي، وبالتالي فإن القرار لن ينعكس عملياً على حركة الصادرات.

ويُصمّم السودان تصدير الذهب بشكل رئيسي إلى الإمارات، إضافة إلى أسواق أخرى تشمل سلطنة عُمان وقطر وتركيا ومصر وعدداً من الدول الأفريقية.

وأوضح أن الإنتاج السوداني يجد أسواقاً بديلة تستوعبه، ما يجعل التأثير الأوروبي محدوداً من الناحية العملية.

وفيما يتعلق بالزئبق والسيانيد، قال إن هذه المواد لا يتم استيرادها من دول الاتحاد الأوروبي، وإنما من دول أخرى، وبالتالي لن يؤثر القرار على توفرها أو على استمرار عمليات الإنتاج.

ويأتي نحو 80% من إنتاج الذهب في السودان من التعدين التقليدي، مقابل نحو 20% فقط من القطاع المنظم، فيما يعمل في قطاع التعدين قرابة مليوني شخص، وتتركز معظم أنشطه في ولايات نهر النيل والشمالية والبحر الأحمر.

وأشار إلى أن شعبة مصدري الذهب تعمل منذ سنوات على تشجيع التحول نحو التعدين المسؤول والالتزام بالمعايير البيئية، لافتاً إلى الجهود المبذولة للحد من استخدام الزئبق في عمليات الاستخلاص والتوسع في استخدام بدائل وتقنيات أكثر أماناً وكفاءة.

وأضاف أن التقنيات الحديثة لاستخلاص الذهب أصبحت متاحة في العديد من الدول، وأثبتت قدرتها على تحقيق معدلات استخلاص مرتفعة مع تقليل الآثار البيئية، ما يجعل التحول إليها خياراً استراتيجياً لمستقبل قطاع التعدين في السودان.

وأكد أن تطوير القطاع لا يقتصر على زيادة الإنتاج، بل يشمل أيضاً تبني أفضل الممارسات العالمية في مجالات السلامة المهنية وحماية البيئة، بما يعزز تنافسية الذهب السوداني في الأسواق العالمية.

وشدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب تعاوناً أكبر بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والشركات العاملة في التعدين لتوفير بدائل آمنة للزئبق، وتوسيع برامج التدريب والتوعية، ودعم إدخال التقنيات الحديثة، بما يسهم في بناء قطاع تعدين أكثر استدامة وكفاءة.

من جهته، اعتبر المختص في شؤون الذهب والاقتصاد، مصعب عوض محمد خير، أن القرار الأوروبي استند إلى معلومات لا تعكس الواقع.

وقال، في مقال، إنه تلقى خلال الأشهر الماضية طلبات من جهات أوروبية، بينها مراكز بحوث ومنظمات وإعلاميون، لمناقشة دور الذهب في تمويل الصراع بالسودان، لكنه كان يوضح لهم أن الذهب لا يمثل مورداً رئيسياً لتمويل الحكومة، لأن التحصيل الرسمي يقتصر على الشركات التي لا تتجاوز مساهمتها 20% من الإنتاج، بينما يتسرب الجزء الأكبر من إنتاج التعدين الأهلي عبر قنوات غير رسمية دون أن تستفيد منه الدولة.

وأضاف أن هذا الواقع يجعل الذهب بعيداً عن أن يكون مصدراً رئيسياً لتمويل الموازنة أو المجهود الحربي، مع إشارته إلى أن الوضع قد يكون مختلفاً في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.

وتشير تقديرات فنية إلى أن ما بين 48% و60% من إنتاج الذهب يتم تهريبه عبر قنوات غير رسمية.

بدوره، قال المحلل الاقتصادي محمد الناير، لـ”سودان تربيون”، إن بيانات بنك السودان المركزي حتى الربع الأول من عام 2026 تشير إلى أن صادرات الذهب إلى دول الاتحاد الأوروبي بلغت صفراً.

وأضاف أن القرار لن يؤثر بصورة مباشرة على صادرات الذهب، لأن الأسواق الرئيسية حالياً تشمل مصر وسلطنة عُمان، بينما كانت الإمارات من أبرز الوجهات خلال عام 2025 قبل وقف التصدير إليها، إذ استحوذت على نحو 800 مليون دولار من إجمالي صادرات الذهب البالغة 1.5 مليار دولار.

ورجح الناير أن يكون المقصود بالقرار الذهب المستخرج من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، وليس الذهب المصدر عبر القنوات الرسمية، معتبراً أن طريقة تناول الخبر إعلامياً أوحت بخلاف ذلك.

وأشار إلى أن السودان لا يستورد الزئبق والسيانيد من الاتحاد الأوروبي، وإنما من دول آسيوية، وبالتالي فإن القرار لن يؤثر على إمدادات هذه المواد.

وأكد أن تطوير التعدين المنظم وتقليل الاعتماد على الزئبق والسيانيد يمثلان ضرورة اقتصادية وبيئية، داعياً إلى تسريع التحول من التعدين التقليدي إلى التعدين المنظم.

وأضاف أن القرار يعزز الحاجة إلى تنويع الشراكات الاقتصادية وعدم التعويل على الوعود الغربية، مع توسيع التعاون مع أسواق مثل الصين وروسيا وتركيا وقطر والسعودية، في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

وكان وزير المالية جبريل إبراهيم قد أعلن في وقت سابق أن إنتاج الذهب خلال عام 2025 بلغ نحو 70 طناً، بينما لم تتجاوز الصادرات الرسمية 20 طناً.

وبحسب الموجز الإحصائي لبنك السودان المركزي، صدّرت البلاد 14.7 طناً من الذهب خلال العام ذاته بعائدات بلغت 1.536 مليار دولار، بما يمثل أكثر من 58% من إجمالي صادرات السودان.

زر الذهاب إلى الأعلى